ابن رزين التجيبي
8
فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان
فاتّضح لنا أن هذا الفن قد حظي بعناية بعض المؤلفين ونال إعجاب قرائهم وعدد من المستفيدين من إنتاجهم ، فظهر منه ما ظهر من مؤلفات أصيلة علمية وأخرى عملية ثانوية ، بينما اكتفت أخرى بالتكرار والاجترار وإضافة أو إعادة التجربة بتقليصها أو بتحريفها ، فكان عصر الازدهار ، ثم لحقه عصر الانحطاط الذي خسرت فيه المكتبة العربية كل إنتاج قويم يرمي إلى صيانة الأبدان والأذهان عن طريق تحديد الأغذية وكيفية استعمالها وطرق استهلاكها وتبين مضارها ومنافعها مما نجده في كثير من المؤلفات الخاصة وغيرها من كتب الأدب والفهارس والتراجم والرحلات والحسبة والشعر ، وخصوصا كتب الطب التي ربطت موضوع التمريض والمعالجة بموضوع الأغذية والأشربة ، حيث كان التزاوج بينهما واضحا والتماسك قارّا . تلك ظاهرة اجتماعية ثقافية سادت المجتمع العربي قبل ركوده وجموده ، وقبل الاستلاب الاستعماري الذي ابتلي به ، والأدلة على ذلك قائمة ثابتة نلمسها بكل سهولة في المصادر التي أشرنا إليها وفي المراجع التي عنيت بوصف هذه الظاهرة وعرض مراحل تطورها في البيئة العباسية وغيرها ، ونقصد بالضبط هنا البحث القيم الذي أنجزه ( M . Rodinsson ) « 1 » حول « الوثائق العربية المتعلقة بالطبخ » ، والذي نشره في مجلة الدراسات الإسلامية سنة 1949 ( ص 95 - 165 ) . ويتعلق الأمر بدراسة تاريخية وصفية في كثير من الأحيان وتحليلية في أحيان أخرى ، لأول مرة حسب علمنا تصدر مثل هذه الدراسة في الموضوع الذي نحن بصدده ؛ لقد استغل المؤلف فرصة تحقيق كتاب « الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب » ، فكانت مناسبة ثمينة استثمرها فأعطانا فكرة عن أهم المنجزات الأدبية التي اهتمت بالطبخ من قريب أو بعيد ثم أورد كثيرا من أسماء المؤلفين والمؤلفات المخطوطة والمطبوعة انطلاقا من عصر الجاحظ إلى بداية القرن العشرين ، ففي ذلك كفاية لمن يريد التزود بمعلومات أساسية تاريخية في الموضوع لعلها تعفينا من التكرار والاجترار .
--> ( 1 ) M . Rodinson , Recherches sur les documents arabes relalifs a la cuisine . in : Revue des Etudes Islamiques , ( 1949 ) pp . 95 - 165 .